تباينت وجهات نظر باحثين في العلوم السياسية بشأن السجالات القانونية الرائجة حاليا بالمغرب إثر مواكبة إصلاح منظومة العدالة؛ فقد اعتبرت جهة أنها “جِدالات ضرورية تعكس التدافع والنضج الساعي إلى تحقيق فضيلة التوافق”، ورأت قراءات سياسية أخرى أنها “مجرد إفراغ لمشاريع القوانين من محتواها التقني والزج بها في متاهات المزايدات التي لا تسعف في إنضاج حركة الدمقرَطة”.
الندوة، التي نظمها حزب التقدم والاشتراكية حول “ضمانات ورهانات وآفاق مشروع قانون المسطرة الجنائية”، كانت بمثابة “نموذج للنقاش”، لاسيما أن تصريحات لوزير العدل عبد اللطيف وهبي على هامش اللقاء بخصوص الممارسة القضائية استنفرت نادي قضاة المغرب للرد عليه وتذكيره باستقلال القضاء بالمملكة. وهذه التدافعات التي تنضاف إلى احتجاجات “حماة المال العام”، قدر أحد الباحثين أنها “نتاج تفرز المزيد من الحوار”.
“فضيلة التوافق”
عبد العزيز القراقي، أكاديمي ومحلل سياسي، أفاد بأن “الدول من فترة إلى أخرى تجري تحيينات دورية لمجموعة من القوانين أو للمنظومة القانونية ككل. المجتمعات ليست ثابتة وإنما تعرف تحولات وديناميات متعددة”، معتبرا أن “المغرب حقق بالضرورة تراكما كبيرا على مستوى القانون والكثير من النصوص باتت بالية؛ ومن الطبيعي أن مراجعة المنظومة القانونية بأكملها تثير جِدالا بين مختلف المؤسسات والهيئات داخل المجتمع”.
وأضاف القراقي، في تصريح لتشاش تفي، قائلا: “القوانين الرائجة الآن في خانة النقاش تبين أنه عندما تطرح مسألة التعديل القانوني يجره كل طرف إلى موقعه ووجهة نظره ونظرته الخاصة”.
وقال: “في بعض الأحيان يكون النقاش محكوما بالمنطق الذاتي؛ ولكن في غالب الأحيان يكون مدفوعا بالمنطق القانوني والتجربة التراكمية التي حققها القانونيون في المغرب”.
وتابع الأكاديمي والمحلل السياسي: “من الضروري التذكير بأن بلدنا يتوفر على قانونيين من أرفع المستويات دوليا”.
وأبرز المتحدث أنه “عندما يتعلق الأمر بتغيير المنظومة القانونية كاملة، طبعا ستكون العملية مصحوبة بنقاش حاد بين مختلف المؤسَسات والهيئات؛ وهذا الأمر من الظواهر الصحية التي تؤكد أن المجتمعات ودينامياتها ومختلف فعالياتها ليست جامدة”، وأورد: المغرب يتميز بفضيلة استطعنا مراكمتها بفضل الخبرة الممتدة: ميزة التوافق”.
ثم زاد القراقي شارحا: “بلدنا مر بمراحل كثيرة وبعد سنوات الرصاص وتجربة الإنصاف والمصالحة صار للجميع الحق في التعبير عن رأيه بحرية”.
وأضاف: “هذا التاريخ ومجمل التحولات التي مررنا منها أفرزت هذه الفضيلة: التوافق. ولهذا، النقاش الحالي يعبر عن نضج، بما أن كل المشاريع لا بد أن تخضع لتوافق الأطراف لأن كل طرف يعكس وجهة نظر ولديه جانب من الصحة ولا يمتلك الحقيقة بالكامل”.
“تقديرات مختلفة”
قال عبد الحميد بنخطاب، الأستاذ الجامعي المتخصص في العلوم السياسية، إن هذا التدافع الذي تعيشه مختلف المؤسسات اليوم بالمغرب، بخصوص سواء المسطرة الجنائية أو المدنية، “لا يعكس بالضرورة نضج السجال القانوني”.
واعتبر بنخطاب، في تصريح لجريدة تشاش تفي، أنه “حين يتم إخراجه من جانبه التقني وجعله يتلبس لبوسا سياسيا خالصا نكون أمام مشكلة وتحريف للموضوع”، وزاد: “اليوم، لدينا إكراهات واضحة في تدبير الشأن القضائي خصوصا عندما استقلت النيابة العامة عن وزارة العدل”.
وتابع شارحا: “هناك تنازع في الاختصاصات حين يتعلق الأمر بالشأن القانوني؛ ونحن نرى هذا بوضوح عند بداية تداول مقترحات القوانين وضرورة أخذ تصورات كل مؤسسة بعين الاعتبار”، مسجلا أن “الأمر لا يسهل مأمورية الفعالية القانونية، فيصبح المشرع منتظرا لرأي كل مؤسسة وتعقيباتها وتعديلاتها”، وأورد: “التقديرات في هذه القضايا تكون في النهاية مختلفة بين المؤسسات والهيئات”.
وبالنسبة للمتحدث، فإن “النقاش القانوني يفترضُ أن يكون تقنيا”، مضيفا أن “تذكير نادي قضاة المغرب للوزير وهبي بشأن استقلالية القضاء يطرح النقاش لأن عملية فصل النيابة العامة والمجلس الأعلى للسلطة القضائية عن وزارة العدل خلق إشكاليات متعددة متعلقة بتدبير القضاء”.
وشدد الأستاذ الجامعي المتخصص في العلوم السياسية على أن “الارتباك واضح؛ لأن عملية التأقلم مع المستجد المؤسساتي تتطلب وقتا. وبالطبع هذا، ليس إشكالا كبيرا وإنما خلق تدافعا كي تختص كل مؤسسة في مجال معين”.