شهدت مدينة القليعة، التابعة لعمالة إنزكان أيت ملول، لأول مرة، تقديم عرض مسرحي في الشارع تحت عنوان “زحام وسكات”، لفرقة جمعية “AGOUN” المختصة في مجال الثقافة والمسرح، وذلك ضمن فعاليات برنامج “رمضانيات القليعة” المنظم من طرف الجماعة الترابية وجمعيات المجتمع المدني.
أشرف كانسي، فاعل جمعوي بالقليعة، قال إن “زحام وسكات” تطرح عدة أسئلة من قبيل “كيف يمكن أن نكون محاطين بالناس ونشعر بالوحدة؟ كيف نبحث عن التواصل بينما نخشى أن نكون مكشوفين؟ وما الذي يجعلنا نرتدي أقنعة الضحك بينما أرواحنا تئن في الداخل؟”.
ووفقا للفاعل الجمعوي ذاته، فإن “العرض ليس مجرد مسرحية عن مدينة تضج بالحركة والصخب، بل هو مرآة تعكس تناقضات الحالة الإنسانية في أدق تفاصيلها، إنها عن ذلك الخط الرفيع الذي يفصل بين الامتلاء والفراغ، بين الضجيج المسموع والصمت المدوي في الداخل”.
وزاد مفسرا ثنايا المسرحية: “هنا، حيث يلتقي الناس يوميا في الشوارع، في المحطات، في الأزقة الضيقة والمقاهي المزدحمة، يتجاورون دون أن يلتقوا حقا، كأن كل واحد منهم مجرد ظل يتحرك بين الآخرين دون أن يترك أثرا”.
“كما تسلط المسرحية الضوء على المدينة التي لا تنام، يبدو الزحام وكأنه يغمر الجميع، لكنه في الحقيقة يبتلعهم في عزلتهم الخاصة. وسط الحشود المتدفقة، كل شخص غارق في عالمه الداخلي، في متاهة من الأفكار والهواجس التي تطارده أينما ذهب. أصوات السيارات، وقع الخطوات المتسارعة، ضحكات المارة، كلها تبدو كأنها تملأ المكان، لكنها لا تستطيع أن تغطي ذلك الصمت الثقيل الذي يسكن النفوس”، يقول أشرف كانسي.
وتبعا لفريق المسرحية، فالأخيرة تحاول “ملامسة شيء في داخل كل منا، ذلك الشعور الغامض بالعزلة وسط الزحام، والرغبة غير المعترف بها في أن يسمعنا أحد قبل أن نختفي بين الحشود، وفي الوقت ذاته يريد هذا العرض أن يقرب المتفرجين من شخصيات مسرحية كراقصين في إيقاع غير مرئي، محكومين بلحن لا يسمعه أحد سواهم، كل واحد منهم يبحث عن لحظة صدق وسط فوضى التفاصيل اليومية، عن استراحة قصيرة من ثقل الصمت الذي يلازمه كظل لا يفارقه، لكن هذه المدينة لا تمنح هدنة، فهي تمضي بسرعة لا تترك مجالا للتوقف، وكأن الصمت نفسه قد أصبح رفاهية لا تتاح إلا لمن يجرؤ على المواجهة”.
وأكد خالد العاقل، مخرج المسرحية، أن “شخصيات العرض، رغم أن حياتهم تبدو مليئة بالضحك والمواقف الساخرة، إلا أن تلك القهقهات ليست سوى صدى لأقنعة محكمة، تخفي وراءها قلقا داخليا يتسلل كالوهم، لا يرى لكن يتم الشعور به، إنهم يسيرون جنبًا إلى جنب، يتبادلون الأحاديث العابرة، يضحكون على النكات التي لا تعنيهم، ويملؤون الفضاء بكلمات لا تترك أثرا. ومع ذلك، فكل واحد منهم يعيش في عزلة لا ترى، محاطا بجدران غير مرئية لكنها أشد صلابة من الإسمنت، تفصلهم عن بعضهم البعض رغم الزحام. هم جزء من المشهد، لكنهم ليسوا حقا فيه، كأنهم أشباح في مدن مأهولة، غرباء رغم كل هذا القرب”.
وأضاف أنه “مع تقدم الأحداث، تتشابك حكاياتهم بطريقة غير متوقعة، لقاءات عابرة تحمل معها تساؤلات أعمق مما تبدو عليه، ونظرات تائهة تفضح مشاعر لم تنطق أبدا”.
وختم العاقل بأن المسرحية تدور حول “لحظات من المكاشفة، حيث يجد كل فرد نفسه مضطرا لمواجهة صراعه الداخلي، ذلك الصراع الذي ظل يؤجله تحت وطأة الحياة السريعة والإيقاع المتلاحق للمدينة. هنا، يصبح الصمت أكثر صخبا من أي ضوضاء، وتتحول الكلمات غير المنطوقة إلى صدى يصعب إسكاته”.kj