نشرت صحيفة فرانكفورتر ألغماينه الألمانية مقالًا مميزًا وثريًا عن كتاب يانوش شوبين الجديد أوقات العزلة: اكتشاف الشعور الكوني. الكتاب، الذي صدر هذا العام عن دار كارل هانسر في ميونيخ، يعد من أبرز المنشورات السوسيولوجية التي قد تدهش كل من يتابعون البحث الاجتماعي الكمي.
يعكس الكتاب مساهمة فكرية مبتكرة، حيث يسافر الكاتب حول العالم ويلتقي بأشخاص يعانون من الوحدة والعزلة. العنوان الفرعي للكتاب، استكشافات شعور عالمي، يعكس بوضوح مهمة شوبين: السفر بعيدًا والتواصل مع هؤلاء الأشخاص الذين يمثلون، من وجهة نظره، أبرز مظاهر العزلة في المجتمع المعاصر.
اختيار الشخصيات: من هم هؤلاء الأشخاص؟
قد يتساءل القارئ: لماذا هؤلاء الأشخاص تحديدًا؟ وكيف اختارهم شوبين؟ يبدو أن شوبين قد عثر على “جون” في بروكلين أثناء زيارة للكنائس، بينما التقى “بيت” على مقعد حديقة في الساعة الخامسة صباحًا، حين كانت ابنته الصغيرة لا تستطيع النوم. أما “إيغون”، الذي انتهى به الحال وحيدًا وميتًا في شقته لأسابيع دون أن ينتبه إليه أحد، فهو شخصية افتراضية تمثل مجموعة من الحالات المماثلة التي جمعها شوبين من موظفي البلديات. وهكذا، يبقى القارئ في حالة تساؤل مستمرة حول معايير اختيار الشخصيات، ويُطلب منه ببساطة تصديق أن هؤلاء الأشخاص هم الأبرز في تمثيل العزلة في حياتهم.
الانتقادات التي طالت الكتاب
من الممكن أن يتعرض الكتاب لبعض الانتقادات في عدة جوانب. على سبيل المثال، يرى البعض أن شوبين يتظاهر بالتواضع الزائف عندما يطلب من القارئ أن يقرأ الكتاب “بنوع من السخاء”. في أسوأ الأحوال، يُعرض الكتاب على أنه “غرفة فضول”، وفي أفضل الأحوال، يقدم “أنماطًا أساسية من الوحدة في صور مكثفة”. بعد ذلك، تبدأ “قصة الوحدة القصيرة”، حيث ينتقل شوبين من فرانسيس بيكون وميشيل دي مونتين إلى شكسبير وأوسكار وايلد في القرن التاسع عشر، ليختتم ببعض الأفكار حول “وحدة ما بعد الحرب” عبر هيرمان لوبي، وصامويل بيكيت، وهاينريش بُل.
أسلوب الكتاب: بين الأدب وعلم الاجتماع
على الرغم من أن شوبين لا يقتصر على زيارة الكنائس فقط، فإنه يظهر تساهلًا أكاديميًا في تعامله مع النص. في أحد المقتطفات، يتحدث عن فرقة البيتلز التي تساءلت في أغنيتها إلينور ريجبي عن مصدر هؤلاء الأشخاص الوحيدين، ليجيب بأنهم جاؤوا من “أوشفيتز وداخاو، من نانجينغ ووارسو، من شاطئ أوماها وستالينغراد”. هذا المقطع يتناقض مع الموضوع وقد يؤثر عليه بدلًا من أن يعززه. كما أن بعض الأساليب الكتابية كان من الأفضل تعديلها، مثل قوله إن “مكاتب الشركات الكبرى في ألمانيا تفوح برائحة الفياجرا”، وهو تعبير قد يثير تساؤلات حول مدى دقته في تصوير تلك الأماكن.
الوحدة: ظاهرة اجتماعية
من المؤكد أن الكتاب لا يقدم تمثيلًا دقيقًا لحالات الوحدة في المجتمع المعاصر، بل هو تجميع للمشاعر والأفكار التي يعبر عنها الكاتب بطريقة تحويرية. ورغم ذلك، لا يمكن إنكار أن الكتاب يحتوي على لمسات أدبية، رغم أنه ليس من أدب الخيال. إذا كنت من المهتمين بهذا النوع من السرد الاجتماعي الذي يميل إلى الأدب، فإن الكتاب سيترك تأثيرًا قويًا عليك. ينجح الكاتب في جعل القارئ يشعر بوحدة الشخصيات الموصوفة، ويفتح تساؤلات حول كيفية تسلل هذا الشعور إلى حياته الشخصية.
ما بين السوسيولوجيا والأدب: رؤية شوبين
من المؤكد أن شوبين لا يكتب أدبًا ولا رواية، لكن أسلوبه في السرد القصصي الاجتماعي يحمل طابعًا أدبيًا أكثر من كونه سوسيولوجيًا. من لا يعجبه هذا الأسلوب لن يجد نفسه مستمتعًا بالكتاب، أما أولئك الذين يثقون بالمؤلف ويعتبرونه راويًا جيدًا ومراقبًا حساسًا، فسيجدون أنفسهم في تأثر عميق بهذا الكتاب. إنه يجعل الوحدة ملموسة وحية، حيث لا تترك حالات شوبين مجالًا للشك في أن هذه معاناة حقيقية.
الكتاب بين السيرة الذاتية والعلم الاجتماعي
لا يقدم شوبين الكتاب كدليل ديني أو دعوة للتأمل الذاتي، بل هو مزيج بين سرد السيرة الذاتية المفصل والأفكار السوسيولوجية التي توضح كيف يمكن أن يكون الشعور الشخصي، مثل الوحدة، جزءًا من ظاهرة اجتماعية أوسع في المجتمع الحديث. ورغم أن الكتاب لا يقدم حلولًا واضحة، إلا أنه يفتح الباب للتفكير في تأثيرات العزلة والوحدة في العصر المعاصر. وبالتالي، يجب أن يُمنح الكتاب نوعًا من “السخاء” الذي طلبه شوبين في بدايته، حتى نتمكن من تقدير تأثيره في فهم هذه الظاهرة الإنسانية العميقة.
Janosch Schobin: Zeiten der Einsamkeit. Erkundungen eines universellen Gefühls. Carl Hanser Verlag, München 2025. 224 S., geb., 24,- Euro.
كاتب ومخرج مقيم في برلين