يخلد الشعب الليبي الذكرى الرابعة عشرة لثورة 17 فبراير، التي أطاحت بنظام معمر القذافي، وسط واقع سياسي وأمني معقد، يتسم بتصاعد حدة الانقسام السياسي واختلاط آمال الليبيين بصراعات على السلطة والنفوذ والثروات في البلاد، مما يجعل من تحقيق الاستقرار في هذا البلد المغاربي أمراً بعيد المنال، خاصة في ظل ارتفاع حدة الصراع بين قوى طرابلس وبنغازي، والتدخلات الأجنبية التي تزيد من تعقيد المشهد في هذه الدولة التي لم تتخلص بعد من إرث القذافي.
وفي خضم هذا الوضع المعقد، تبرز المملكة المغربية كواحدة من أوائل الدول التي تحملت مسؤوليتها السياسية والأخلاقية تجاه الشعب الليبي من خلال عملها على استضافة وإنجاح العديد من جولات الحوار السياسي بين الفرقاء الليبيين، الذين يعتبرونها دولة غير مقوضة للحل السياسي، ومنصة محايدة للوصول إلى تفاهمات وتوافقات لاستعادة الاستقرار في ليبيا، وبناء دولة موحدة، وإنهاء الأزمة الليبية التي يؤثر استمرارها على مسار البناء المغاربي، وهو ما يجعل من الدور المغربي محط تقدير كبير، سواء في الداخل الليبي أو في الخارج.
مقاربة مغربية
قال إدريس أحميد، محلل سياسي ليبي، إن “الثورة الليبية التي راهن عليها الليبيون من أجل التغيير تدخل عامها الرابع عشر في ظل وضع سياسي وأمني معقد”، مضيفًا أن “تدخل حلف الناتو في ليبيا كان له دور كبير في حماية مطامح الدول التي كانت لها مصالح في ليبيا، بعيدًا عن طموحات الشعب الليبي الذي كان يرغب في التغيير، لكن للأسف الشديد اتضح أنه ليست هناك أي رؤية لتعزيز أمن واستقرار البلاد والاستفادة من التجارب السابقة، حيث تعزز التدخل الإقليمي والدولي في الملف الليبي، واتضح أن الليبيين أنفسهم غير جاهزين لهذا التغيير، وأن البنية الفكرية للمجتمع الليبي لا تزال لم تصل بعد إلى فهم أهميته”.
وتابع المحلل السياسي الليبي، في تصريح لجريدة تشاش تفي الإلكترونية، أن “البلاد شهدت سنة 2012 انتخابات عرفت نسبة مشاركة مهمة، غير أنه تم القفز عليها من طرف تيارات الإسلام السياسي، التي مارست ولا تزال أدوارًا للسيطرة على المشهد السياسي، قبل أن تخسر في انتخابات 2014 وترفض النتائج لتشعل بعد ذلك حربًا في العاصمة طرابلس، ما زال الليبيون يعانون من تبعاتها”.
وبخصوص الدور المغربي في ليبيا، قال أحميد إن “المملكة المغربية احتضنت الفرقاء الليبيين في العديد من جولات الحوار السياسي بهدف الوصول إلى تفاهمات وتوافقات تنهي حالة انسداد الأفق السياسي في البلاد، على غرار احتضانها الاتفاق السياسي الليبي وتفاهمات بوزنيقة سنتي 2020 و2024″، مشيرًا إلى أن “حكومة الوحدة الوطنية عهد إليها بمهمة معالجة الوضع الاقتصادي وجمع السلاح من التشكيلات المسلحة والذهاب بالبلاد إلى انتخابات شفافة، لكنها فشلت في ذلك، مقابل نجاحها في توسيع رقعة الفساد في البلاد”.
وأبرز أن “المغرب تجمعه علاقات تاريخية قوية بليبيا، سواء في إطار ثنائي أو في إطار الاتحاد المغاربي أو جامعة الدول العربية، وأكد في أكثر من مناسبة دعمه لاستقرار الدولة الليبية، حيث إن جميع التدخلات المغربية في ليبيا كانت فارقة في مسار الحل السياسي، ذلك أن الرباط تقف على مسافة واحدة من جميع الأطراف، التي تقدر دور المملكة ودور الملك محمد السادس وسياسته الناعمة ودبلوماسيته الرزينة البعيدة كل البعد عن كل أشكال التدخل لمصادرة قرار الليبيين”.
مسارات سياسية
محمد عطيف، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة بوشعيب الدكالي بالجديدة، قال إن “نظام معمر القذافي في ليبيا خلّف، بعد سقوطه، دولةً بدون مؤسسات بسبب سياسته، التي ساهمت في إضعاف المؤسسات مقابل تقوية دور القبيلة والعشيرة في المشهد السياسي، وهو ما ساهم في تعقيد جهود الوصول إلى توافقات لإعادة بناء الدولة”، مبرزًا أن “الدولة الليبية شهدت بعد القذافي استقطابًا حادًا بين مختلف التيارات والأيديولوجيات حول طبيعة وشكل النظام السياسي في البلاد، إضافة إلى سقوط السلاح في يد الحركات المسلحة، وهو ما عقّد فرص الوصول إلى حل في هذا البلد”.
وأوضح عطيف، في تصريح لجريدة تشاش تفي الإلكترونية، أن “الرباط انخرطت بشكل مبكر في الملف الليبي، لكونها من أوائل الدول التي اعترفت بالمجلس الانتقالي الذي كان يرأسه مصطفى عبد الجليل، وتبنت سياسة عدم التدخل المباشر في هذا الملف، مع العمل على إنشاء منصة محايدة للحوار بين الفرقاء الليبيين، إضافة إلى تنسيق جهودها مع الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي والجامعة العربية لحلحلة الأزمة الليبية والحفاظ على وحدة واستقرار هذا البلد”.
وتابع قائلا: “المغرب ظل، في مختلف محطات الحوار التي احتضنها، من اتفاق الصخيرات إلى مشاورات بوزنيقة، يؤكد على أولوية الحل السياسي على غيره من الحلول، مستندًا في ذلك إلى تجاربه وتراكماته في التعامل والوساطة في الأزمات السياسية التي شهدتها المنطقة”، مبرزًا أن “الأدوار المغربية في ليبيا تحظى بدعم جميع أطراف اللعبة السياسية في ليبيا، كما تحظى بدعم المجتمع الدولي والقوى الأجنبية المتصارعة على الساحة الليبية”.
وسجل المتحدث ذاته أن “المملكة المغربية ظلت تراهن على المسارات السياسية لحل هذه الأزمة، رغم أن تحركاتها تتم وسط استقطاب دولي وإقليمي حاد، يتسم بتضارب مصالح القوى الأجنبية، غير أنها ظلت تؤكد أن مستقبل الدولة الليبية يجب أن يرسمه الليبيون أنفسهم، وهو ما جعلها تحظى بثقة الفرقاء الليبيين وثقة المجتمع الدولي”، مشيرا إلى أن “الدور المغربي في ليبيا واجه عددًا من العراقيل المرتبطة بأجندة بعض دول الجوار الليبي التي لا تريد أن ترى ليبيا آمنة ومستقرة”.